الوجه الإسلاموي لنظام الأسد العلماني

0

د.سميرة المبيض

لا بد أن انكشاف ارتباط العديد ممن كانوا يُدعون (شرعيين) للفصائل الدينية المسلحة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام ارتباطاً مباشراً بأجهزة مخابرات الأسد له دلالة هامة، تزداد ثقلاً ان راجعنا الدور الوظيفي لهؤلاء ضمن الفصائل والذي تمثل بحرف المسار الوطني نحو الجهاد الديني من جهة وفرض التشدد واتهام الأشخاص المعتدلين فكرياً ودينياً بالردة وبالكفر دفعاً بهم وبمحيطهم للتطرف وأخيراً تجييش الفصائل ضد بعضها البعض واقتياد البسطاء للاقتتال تحت نفس الخدع والتسميات الدينية. مؤدين بذلك مهمات مكلفين بها، كعناصر تابعة للنظام ضمن مناطق الثورة. لا بد لنا إذا أن نترقب صدى هذه الارتباطات على جمهور النظام، المصدق لسرديته عن المؤامرة الكونية على سوريا والأهم المصدق لادعاءات العلمانية.
هذه الادعاءات بالعلمانية، التي علينا أن نضعها تحت المجهر اليوم، أين براهينها بعد أن رأينا أن بضعة مئات من المتطرفين الجهلاء استطاعوا التغرير بعشرات الآلاف من الشباب السوري و جرهم نحو التطرف، من كان المسؤول عن انشاء و تربية و تعليم هذه الأجيال، من يحمل مسؤولية هذه الهشاشة بالوعي و بالفكر. المسؤول الرئيسي عن ذلك هو نظام الأسد المسيطر على التعليم و الحياة الاجتماعية و السياسية و الدينية في سوريا منذ عقود. ما لمسناه من نقص الوعي لم يأت من فراغ بل أتى من انعدام المساواة والتمايز المنفعي والوظيفي اولا ومن توقف التنمية والتطوير في سوريا لفترة طويلة ثانياً و العامل الأهم هو تسليم زمام الأمور لرجال الدين التابعين لنظام الأسد، لينشروا سموم الجهل و يزرعوا مضامين كامنة للتطرف و ليستلموا خطبهم من مكاتب المخابرات بشكل دوري بالإضافة الى نظام تعليمي يمرر السم في العسل و تعليم جامعي يؤهل مختصين في الشريعة و الدين أكثر مما يؤهل علماء في علم الاجتماع أو علوم النفس.
لم يقتصر النظام على هذا الخراب الفكري الحاصل لغاية اليوم، بل نراه يوغل في تمكين الطائفية عبر نشر التشييع في كافة أنحاء سوريا، فهو أداته المستقبلية للتطرف، فنرى تحريضاً طائفياً في الشوراع و نرى مظاهرات لطمية تجوب أحياء العاصمة و نرى شعارات و صور دينية عند كل زاوية في تحفيز مباشر للنزعة الطائفية و تمهيداً لتقهقر فكري أعمق و أوسع في سبيل بقاء السلطة و الثروة في يد الدائرة الضيقة الحاكمة.
هل هذا ما تحتاجه سوريا اليوم، و هل ذلك ما كانت تحتاجه بالأمس؟ أتوجه بهذا السؤال بالتحديد للشرائح الموالية التي تخوفت من الإرهاب و اتهمت الثورة بالإسلامية و قدمت ولاءها للنظام ذو العباءة العلمانية و الاذرع الدينية المتخفية بها.
فماذا لو طالبنا بعلمانية الدولة فعلا؟ في واقع الأمر فان تطبيق نظام يُفصل فيه الدين عن الدولة والدولة عن المجتمع المدني سيؤدي الى تنشئة أجيال متحررة أكثر وعياً وادراكاً للمصلحة العامة عن المصلحة الفئوية لأي فئة كانت، سينشأ أجيالاً قادرة على تحقيق النهوض الاقتصادي و التنموي و سيفضي الى حتمية الى انتهاء حقبة الديكتاتورية المستندة على سياسة تجهيل الفرد و تأطير المجتمع بالتقاليد الدينية و يصبح الاعتماد على المعايير القانونية و المعايير المهنية و معيار المصلحة العامة هو السائد.
سيؤدي ذلك الى كسر الارتباط العضوي الفكري بين نظام الاستبداد و الجمود المرتبط بسيادة الدين على المجتمع، ذراعان لا يسود أحدهما دون الآخر. ليس سيراً نحو فوضى مجتمعية لكن لكسر هذه الحلقة التي يُدار مصير سوريا ضمنها قسرياً منذ خمسة عقود، فهل يمتلك السوريون هذا الوعي للسير قدماً نحو تحرر المفاهيم الأساسية التي تجعل من الدين، أمراً يدخل في نطاق الحريات الفردية التي لا تتحكم بالحياة العامة وعليه نسعى لتحرر للبرامج التعليمية، لتحرر لمفهوم الأسرة، لتحرر حقيقي للمرأة السورية ومنه الى بناء مجتمع على أسس سليمة آن لها أن تصبح سائدة لمصلحة الجميع عوضاً عن شعارات تخدم من يمتلك السلطة فقط و هو ما قاد سوريا لخراب بعد عمار و لجهل بعد علم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.