سميرة مبيض – الانتماء الجيني أم السياسي؟

0

لا بد أن تصريحات الوزير اللبناني، جبران باسيل، حول ما سماه » الانتماء الجيني « تعد ظاهرة لافتة اليوم وتتطلب التوقف عند التجاوب الحاصل معها وان كان خجولاً أو ضمني.

فمن اللافت هذا التعريف الحديث الذي أورده الوزير الغير متخصص لا في علم الحياة ولا في علم الاجتماع حول “مفهوم الانتماء الجيني”، وهو المتخصص بحسب ما يعرفه موقع ويكيبيديا بالهندسة المدنية، والمواصلات.

لكنه لم يتوانى، رغم ذلك، عن طرح مفهوم “بيولوجي/ اجتماعي” أقل ما يمكن وصفه بأنه منحرف عن كل علم وكل منطق واقتبس هنا من احدى تغريداته أن الانتماء الجيني  “هو التفسير الوحيد لتشابههم وتمايزهم معا، لتحملهم وتأقلمهم معا، لمرونتهم وصلابتهم معا، ولقدرتهم على الدمج والاندماج معا من جهة، وعلى رفض النزوح واللجوء معا من جهة أخرى”

دوناً عن الاتهامات التي وجهت له بالعنصرية، والتي تترجم بشكل رئيسي بالعدوانية بين مجموعتين بشريتين، فيمكننا أن نضيف عليها صفة الجهل بالأمر المتمثل بتغريدته المعرفة للانتماء الجيني.

فحتى الأيديولوجية الجينية تتناقض مع هذا التعريف، وهي التي تعتبر أحد محورين ترتكز عليهما النظرية العنصرية، وتعتمد بشكل رئيسي على وجود اختلافات طبيعية بين المجموعات البشرية المعنية بالسؤال العنصري أي الانتماء لأعراق مختلفة، فما يرتكز عليه التفريق الجيني، عادة، هو الصفات البيولوجية الشكلية التي تُعتمد للتفرقة بين مجموعتين بشريتين دون أي أسس اختلافات جينية تفاضلية فهذا الانتماء العرقي غير معرف ولا محدد علمياً على المستوى البيولوجي، فالعنصرية الجينية ليس لها أي مرتكز علمي.

أما ما يربطه في هذا الانتماء الجيني، بالتشابه والتمايز، بالتحمل والتأقلم، بالمرونة والصلابة وبالقدرة على الدمج والاندماج ورفض اللجوء والنزوح فأقل ما يوصف به بأنه خلط بين السلوكيات، الثقافات، الصفات الفردية، الصفات النفسية، الأعراق والصفات البيولوجية فيخرج بتوليفة خاطئة بالمطلق، شديدة الغرابة واللامنطقية لا تستحق الا المطالبة بمسحها من على خيوط الشبكة العنكبوتية لتندثر كلياً.

لنعُد لفرضية الاختلافات العرقية، مفردة، والتي يتم تناولها، علمياً، على أساس وجود أعراق بشرية متعددة تجمعها صفات فيزيائية متشابهة بغض النظر عن التوزع الجغرافي والاختلاف الثقافي بينها. وهذه الأعراق غير محددة بشكل كامل بعد بل تزداد تفرعاً وتشابكا مع ازدياد التقنيات العلمية الحديثة التي تسمح بدراسة معمقة لهذا المفهوم.

لكن هنا أيضاً نجد التناقض الصارخ بين تصريحات السياسي اللبناني والعِلم، حيث يميز بين مجموعتين بشريتين، متطابقتين من وجهة نظر المفهوم العرقي بتعريفه العلمي، ويبتدع تعريفاً جينياً يربطه فقط بالمعادين لوجود السوريين في لبنان، ويجدر بالتذكير هنا أنهم مهجرين قسريين غير مخيرين يحتل المعادين لوجودهم أرضهم ورزقهم في سوريا.

تعريف جيني يبتدعه الوزير اللبناني ليربط تيار العونية السياسي، ممثلا به بتيار الإسلام السياسي لحزب الله ممثلاً بحسن نصرالله والتيار الأسدي ممثلا ببشار الأسد فأي علم سيتحمل مثل هذا الجهل..

لا بد أن يقودنا ذلك الى مصطلح توصيفي خاص بمفهوم الوزير باسيل ضد السوريين وهو أقرب أن يكون   »الانتماء الجيني السياسي « الذي يتحول تدريجيا لصراع البقاء مستنداً على عوامل التفرقة والعدوانية، والتي هي،  لحسن حظ بقية البشرية خارج حدود هذه المنطقة، ممكنة التجاوز ويزداد تجاوزها سهولة بتقدم العلم وما يسهله من توزيع عادل للموارد، للاستقرار ولنشوء صراعات تقتصر على تنافس الفكر بما يقدم من إيجابيات على مستوى البشرية برحابتها وليس بالانتماء الجيني السياسي بضيقه ودوره المحفز لمزيد من التشدد على كافة الصعد.

لا بد نهاية أن نشير الى هذا الانفصال الهائل بين العلم والسياسة في منطقتنا والذي تنعكس نتائجه سلباً على كافة الصعد، وتؤدي بنا الى سماع وقراءة مثل هذه الفرضيات التي توظف الجهل بالأمر لترويج نقيضه مع كل التداعيات السلبية لذلك وليست هذه التغريدة الا مثالا مبسطاً عن امتداد موجة لم تنهي مداها المدمر بعد.

د. سميرة مبيض

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.