حسان الأسود : أسئلة الوطن والهويّة

0

خلال مراسلة جرت قبل أيّام، بيني وبين ابن عمّي فادي المقيم في الدانمارك منذ ما يقرب الثمانية عشر عاماً، سألني عن مشاكل اللغة الألمانيّة وتعلّمها والفارق بين الآباء والأبناء في هذا المجال، ثم تطوّر الحديث ليتساءل – فيما يشبه المقارنة الذهنيّة – عن هويّته الموزّعة بين الانتماء إلى العروبة والإسلام وبين نمط الحياة الغربي على الطريقة الدانماركيّة، بينما يعيش ابناه المولودان في هذه البلاد حالة استقرار وتصالح كبيرتين مع الذات.

ولأنّ الحديث تمّ عبر تطبيق الواتس أب في غرفة مشتركة تجمع العديد من أبناء العمومة، فقد تشعّب النقاشُ ليشمل مسائل تبدو للوهلة الأولى بسيطة، مثل الوطن والوطن البديل، نسيان المجتمعات القديمة والاندماج في المجتمعات الجديدة، الحفاظ على اللغة الأمّ بالتوازي مع تعلّم اللغة الجديدة، الحفاظ على الهويّة والثقافة الأصليّتين للمهاجرين، طبيعة التغيّرات التي تطرأ على الأفراد والجماعات المهاجرة، المجتمعات الموازية التي يشكّلها المهاجرون، تقبّل المجتمعات الجديدة للثقافات الواردة إليها… والحقيقة أنّ الإجابة على هذه الأسئلة لا تبدو بسهولة طرحها، بل هي أعقدُ بكثير مما يظنّ المرء قبل الغوص فيها.

ما الذي يعنيه الوطن أساساً، ما الذي يعنيه الانتماء، ما الذي تعنيه اللغة وما الدور الذي تلعبه في تشكيل الإنسان، هل هي مجرّد وسيلة تواصل وتخاطب أم هي حاملٌ ثقافي واجتماعي، ما مدى تأثير كلّ من اللغة الأمّ ولغة المجتمع الجديد في صياغة وتشكيل وعي الإنسان الفرد وكيان الأسرة المهاجرة والجالية التي يُفترضُ أنّه ينتمي إليها عموماً، أيّ مستوى من اللغة يمكن – بعد الوصول إليه – القول بأنّ المرء قد نجح في الدخول إلى ثقافة المجتمع الجديد، هل يتوقّف اندماج المهاجر في المجتمع على إتقانه اللغة فقط، ماذا يعني الاندماج بداية، هل يجب أن يكون للمهاجرين مجتمعات بديلة موازية للمجتمع الذي انتقلوا إليه، أم يجب أن ينسى المهاجرون وطنهم الأصلي وحياتهم القديمة ويبدأو من جديد، وهل يستطيعون ذلك أساساً إن أرادوا، ما الفارق بين الأفراد الذين ولدوا في بلدان المهجر وأولئك الذين قدموا إليها أطفالاً أو يافعين أو بالغين أو كهولاً، أيّ اعتبارات يمكن أن تُبقي الصلة قويّة أو على الأقلّ موجودة بين المهاجرين وأوطانهم…؟ ألف سؤال وسؤال يحتاج كلّ منها لإجابات لا يستطيعُ أحدٌ أبداً أن يدّعي تقديم الصحيح منها.

يقول البروفيسور هافل نوح هراري في كتابه “العاقل، تاريخ مُختصرٌ للنوع البشري” في الصفحة 140:

(كيف تجعل الناس يؤمنون بنظامٍ مُتخيّلٍ مثل المسيحيّة والديمقراطيّة والرأسمالية؟ أولاً لا تعترف بأنّ النظام مُتخيّل، أكّد دائماً أن النظام الذي يحافظ على المجتمع هو حقيقة موضوعيّة أوجدتها الآلهة العظيمة أو قوانين الطبيعة، فالناس غير متساوين، ليس لأن حمّورابي قال ذلك، لكن لأن إنليل ومردوخ حكموا بذلك، والناس متساوون، ليس لأن جيفرسون قال ذلك، لكن لأنّ الرب خلقهم بهذه الطريقة، والأسواق الحرّة هي أفضلُ نظام اقتصادي، ليس لأن آدم سميث قال ذلك، بل لأن هذه هي قوانين الطبيعة الثابتة.

ثقّف الناس أيضاً بشكل شامل، ذكّرهم باستمرار منذ لحظة ميلادهم بمبادئ النظام المُتخيّل، المتجسّدة في أي شيء وفي كلّ شيء، فهي متجسّدة في الحكايا الخرافية، والدراما، واللوحات، والأغاني، وآداب السلوك، والدعاية السياسية، والهندسة المعمارية، ووصفات الطبخ والأزياء. فمثلاً يؤمن الناس اليوم بالمساواة، لذلك من المألوف أن يرتدي أطفالُ الأثرياء الجينزات، التي كانت في الأصل ملابس الطبقة العاملة. آمن الناس في العصور الوسطى بانقسام الطبقات، لذلك لم يكن لنبيل شاب أن يرتدي ثوب الفلاحين، في ذلك الوقت كانت مخاطبتك بكلمة “سيدي” أو “سيدتي” امتيازاً نادراً محجوزاً للنبلاء، وغالباً ما اكتُسِب بالدم، أمّا اليوم فتبدأ جميع المراسلات المهذّبة بغضّ النظر عن المستلم بكلمة “سيدي أو سيدتي العزيزة”.)

المسألة إذن كما يراها هافل على الأقل، لا تعدو كونها نظاماً مُتخيّلاً يدير حياة البشر بنجاح منقطع النظير رغم أنّه لا يوجد إلّا في خيالهم. يعتقد هافل بوجود ثلاثة عوامل رئيسة تمنع الناس من إدراك أنّ النظام المتخيّل الذي يدير حياتهم موجود فقط في خيالهم: فالنظام المُتخيّل مُدمج في العالم المادي أولاً، وهو يشكّلُ رغباتنا ثانياً، وهو ثالثاً نظامٌ جمعيّ لا فرداني.

هكذا إذن يتراءى لنا أنّه يوجد شيء اسمه وطن، لأنّه منسوجٌ بالواقع الماديّ المحيط بنا، فنحن نعرفه من قصص الجدّات أيّام الشتاء متكوّرين قرب المدفأة ننتظر استواء حبّات الكستناء، كما نسمعه في نشرات الأخبار وبيانات أسعار صرف العملات، نعيشه على شبابيك أفران الخبز وفي مكاتب موظفي الماليّة والسجلّ المدني، نهرب منه عند اقتراب موعد التجنيد الإجباري، ونلعنه عندما نقضي شبابنا على أرصفة الحارات بانتظار فرصة عمل لن تأتي، نشتاق إليه كلّما ابتعدنا عنه ونكفر به كلّما اقتربنا منه. هكذا يتراءى لنا وجود وطنٍ لا يمكننا القبول بغيره، لمجرّد أنّنا ولدنا فيه ومشينا في طرقاته وسهرنا مع الجيران في الأمسيات الصيفيّة على وقع أصوات آذان العشاء وصخب الأطفال في شوارعه. لكن ماذا لو كنّا قد ولدنا في سيبيريا أو في غابات السافانا أو في جبال الأنديز، هل كان للوطن نفس المعنى ونفس الصورة؟

الوطن المُتخيّل يحقّق رغباتنا، فقبل مائة عام مثلاً كان المسلمون منّا يؤمنون بالخلافة الإسلامية كمسألة نهائيّة مفروغ منها، وبعد الاحتلال الفرنسي بتنا نبحث عن حدودنا في جغرافيا متحوّلة بين هضبة الأناضول شمالاً وحدود النقب مع سيناء جنوباً، ومنذ بداية حكم العسكر طار الوطن بعيداً مع أوهام الوحدة والحريّة والاشتراكيّة. لكننا ما زلنا نؤمن بالوطن كبناء يجمعنا ضمن طوابقه المتعدّدة، وبعد تسع سنوات من حرب لا هوادة فيها شنّها علينا باسم الوطن “سيّد الوطن كما يناديه عبيده”، تهدّم هذا البناء على رؤوسنا ولم يعد له من وجود، إلّا كخرائب يحملُها من سقطت على أكتافهم ممن بقوا تحت سقفه مكرهين أو مستعبدين أو بخيارهم الحرّ لمواجهة الجلّاد. لكن ماذا لو كنّا قد نشأنا في اليابان أو في كندا أو في السنغال، هل كانت رغباتنا ستحددها أوهامٌ المقاومة والممانعة، أو شعارات العيش المشترك واللُحمة الوطنيّة الزائفة، أم سيكون لنا رأي آخر ورغائب أسمى؟

الوطن نظامٌ جمعيّ مُتخيّلٌ من قبل ملايين البشر، لهذا لا يسقط إلّا إذا مات جميع البشر الذين يؤمنون بوجوده، لا يضرّه أن يتوّقف فردٌ ما أو آلافُ الأفراد عن الإيمان به، ما دام الملايين مازالوا على ما كان عليه آباؤهم. لذلك فإنّهم يحملونه معهم كأفراد وجماعات حتّى في هجرتهم، لن يكون بمقدورهم أن ينتزعوه من مخيّلتهم إلّا إذا استعانوا بنظام جمعيّ مُتخيّل آخر، أي بوطن جديد يحلّ محل القديم. لكن ماذا كان سيحصلُ لنا لو كنّا قد وُلدنا في استوكهولم بدل حلب، هل كنّا سنستيغُ بعدها طعم المامونيّة بالجبن البلدي، أو هل سيكون للقدود وصوت محمد خيري كعبها العالي لدينا ووقعها الرفيع في نفوسنا، أو لصابون الغار هذا السحر الغرائبي العجيب كبلسم يداوي جراح نفوسنا قبل تنظيف أجسادنا؟

قد ينطبق هذا على اللغة أيضاً، وعلى الثقافة والانتماء والهويّة والمعتقدات والأفكار وحتى على الأحلام، لا أحد يعرف بالضبط الحدود بين الخرافة والحقيقة، بين الأسطورة والواقع، بين الحياة والحلم. يهاجر الناس من “الوطن” عندما لا يعودون قادرين على احتمال الظلم والقهر والاستعباد الذي يتعرّضون له فيه، يترك الناس الوطن عندما يصبح مزرعة لمجموعة من اللصوص وشّاذ الآفاق، يبني الناسُ الوطن في مخيّلتهم عندما لا يجدونه في الواقع، ويشكّلون الهويّة كما يحلمون بها عندما تفرّ من بين أيديهم وتصبحُ بعيدة المنال. وما زال البحثُ جارٍ عن الوطن والهويّة.

حسّان الأسود في 3-9-2019

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.